الأحد، 2 أكتوبر 2011

مصر من ثالث - مصر العلم والفن والأدب

تعرف قوانين التطور الاجتماعي بأنها القواعد المعبرة بكلمات أو برموز رياضية و التي تشرح معطيات اجتماعية معروفة بصورة مقبولة والتي قد اكدتها الاختبارات العلمية السابقة والتي تعتبرها المجموعة الاكاديمية صحيحة.

إنّ المجتمع البشري عبارة عن منظومة معقدة غير متوازنة تتغيّر وتتطوّر باستمرار، حيث تدفع تعقيدات وتناقضات التطور الاجتماعي الباحثين إلی الاستنتاج المنطقي التالي: إنّ أي تبسيط أو تقليل أو تجاهل تعدّدية العوامل الاجتماعية يؤدي حتماً إلی تكاثر الأخطاء وعدم فهم العمليات البحثية. وقد استقرّ الرأي على أنّ اكتشاف القوانين العلمية العامة مستحيل في مجال دراسات التطوّر الاجتماعي مسيطراً وخاصة بين الذين يتخصّصون في الإنسانيّات ويواجهون بشكل مباشر في بحثهم كل تعقيدات وتركيبات العمليات الاجتماعية.

فطريقة بحث المجتمع البشري كمنظومة بالغة التعقيد هي أن نعترف بمستويات مختلفة من التجريد ومقاييس الزمن. فالمهمة الأساسية للتحليل العلمي هي إيجاد القوی الرئيسية التي تؤثّر علی أنظمة معينة لاكتشاف القوانين العلمية المبدئية عن طريق التجرّد من التفاصيل وانحرافات القواعدوهو مايختلف بطبيعة الحال فى دراسة المجتمع البشري الذى هو عبارة عن منظومة بالغة التعقيد بالفعل وبالتالى لا يمكننا وصفها بقوانين علمية بسيطة.

وإنطلاقاً من المقدمة السابقة فانه بالطبع يصعب الحكم على تطور الحضارة فى اى شعب ولكن وبصفة عامة نجد ان الشعوب ذات التاريخ تتطور حضارتها غالبا الى الأمام أو مايمكن أن نطلق عليه بالمعادلة الرياضية أن الحضارة الإنسانية تتطور إيجابيا مع الزمن أو برواية أخرى ان هناك علاقة طردية بين الزمن والتطور الحضارى ولاسيما أيضا السلوك الحضارى للبشر ويمكن فى هذا الإطار إستعراض بعضا من تطور الحضارات الغربية .

ففى ألمانيا ظهر السياسى الألمانى بسمارك الذى شغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا بين عامي 1862 و 1890، وأشرف على توحيد الولايات الألمانية وتأسيس الإمبراطورية الألمانية أو ما يسمى بـ "الرايخ الألماني الثاني", وأصبح أول مستشار لها بعد قيامها في عام 1871، ولدوره الهام خلال مستشاريته للرايخ الألماني أثرت أفكاره على السياسة الداخلية والخارجية لألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر، لذا عرف بسمارك بلقب "المستشار الحديدي". واصبح بسمارك ملهما للشعب الألمانى وتطورت المانيا بصورة دوما الى الأمام حتى حينما أنهزمت فى حربين عالميتين ألا ان المانيا استعادت قوتها واصبحت الدولة المحورية فى الاتحاد الأوروبى وفى ذات الوقت تطور السلوك الالمانى الإنسانى بصفة عامة واصبح التعصب للقومية الألمانيه أقل حدة وعنفاً .

وإذا اتجهنا الى باقى الدول الكبرى من فرنسا الى انجلترا مرورا باليابان وكوريا انتهاء بالولايات المتحدة نجد ان الحضارة والسلوك الحضارى للشعوب ( وليس الحكومات ) يتجه صوب الأمام وينعكس هذا بالطبع على كل مناحى الحياة فيها من فن وعلم وأدب .

ومع التطور العلمى السريع فى العالم كله نجد أنه يسير الى جواره تطور إجتماعى وأخلاقى فى علاقة طردية بين المتغيرين ورغم ان التطور العلمى يسير بسرعة أكبر إلا اننا نجد ان التطور الإجتماعى والأخلاقى يسير بسرعة أبطأ ولكن يظل يتحرك الى الامام ومن حقبة الرقيق والإستعباد تطور الامر وبدأت تظهر منظمات عالمية لتشجع العمل الإجتماعى للمؤسسات الإقتصادية وظهرت جمعيات أهلية دولية ومنظمات إنسانية كمنظمة أطباء بلا حدود ومنظمة أوبرا وينفرى ( نسبة الى المذيعة الأمريكية المشهورة ) وحتى الملياردير بيل جيتس الذى ترك العمل الإقتصادى وتوجه بجزء ليس بقليل من ثروته للعمل الخدمى الإجتماعى وحتى جمعيات الرفق بالحيوان والإعلان العالمى لحقوق الإنسان هما نتاج التطور الطبيعى للزمن واصبحت العلاقه بين المتغيرات الإنسانية والعلمية تتطور دوما الى الأمام مع الزمن .

ولكن مايزيد من تعجبى انه وعلى الرغم من وضوح هذه العلاقة دوليا نجد أن الأمر يختلف فى مصر ( لااعرف لماذا ) فدائما التطور فى السلوك يسير عكس اتجاه الزمن فقديما ( لن أعود بالطبع الى أزمنة سحقية ولكنى سأكتفى باسماء ظهرت فى بدايات القرن الماضى ) مثلا كان من العلماء فى كافة المجالات بداية من قاسم امين وطه حسين والعقاد ومى زيادة فى الادب مرورا بمصطفى مشرفة عالم الذرة الذى شهد له اينشتين ذاته وكان ايضا محبا للموسيقى وسميرة موسى وسمير نجيب ويحيى المشد فى العلم وأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ و............. فى الفن ومصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس ومكرم عبيد وصفية زغلول فى السياسة ويوسف وهبى ونجيب الريحانى وفاتن حمامة فى التمثيل وغيرهم وغيرهم الكثيرين فى كافة المجالات ، والتى شهدت مصر منذ بداية القرن الماضى وحتى منتصفه تقريبا حراكا علميا وفنيا وفكريا وسياسياً شهد له العالم .

بل والاكثر من ذلك ان السلوك الإجتماعى للشعب المصرى كان راقيا ومبادئ الشهامة والفروسية والجدعنه والرحمة هى أصل التعامل بين الناس والحث على التمسك بالتقاليد والمبادئ والقيم ونبذ كل اشكال الإنحراف والمنحرفين كان سمة رغم كل مايقال عن هذه الحقبة من خضوع للإحتلال الإنجليزى كانت الحريات والمبادئ هى الإطار الذى تعيش مصر بداخله .

بل أذكر فيما أذكرة فى حقبة السبعينيات من القرن الماضى ونحن مازلنا شبابا يبحث عن الحب مع فتاه كنا مثلا لانستطيع الإقتراب من حى شبرا مثلا أو منطقة الكوربة فى مصر الجديدة لان بنات هذه المناطق محمية من شبابها وياويل اى شاب تسول له نفسه ويعاكس فتاه فى هذه المناطق ودائما مايكون نصيبة علقة ساخنه من شباب الحى أما اليوم فشباب المناطق هم من يتحرشون ببنات منطقتهم( أو زى مابيقولوا بالبلدى بنات حتتهم )

ولكن وللأسف الشديد نجد أن مصر تسير دوما عكس اتجاه التطور العلمى والسلوكى عبر الزمن فنجد ان هذا التطور العلمى لم يواكبه تطورا فى مصر بل نقلنا ادوات العلم دون ان نشارك فى صنعها والأعجب ان السلوك الإنسانى ايضا انحدر عاكساً الإنحدار العلمى فبعد أم كلثوم وعبد الوهاب فى الفن ظهر سعد الصغير وبعد مصطفى النحاس وسعد زغلول ظهر جمال مبارك وأحمد عز ولم يظهر من نبت ارض مصر عالما واحدا ( بالطبع انا لم أدخل فى المقارنة دكتور زويل أو غيره من علماء مصر الأجلاء حاليا لانهم لم يعيشوا فورة نجاحهم فى مصر بل توافرت لهم ظروف الغرب التى تناولناها سابقا ) وبعد رواية الأيام ودعاء الكروان ظهرت عمارة يعقوبيان وخديوى أدم وشيكاغو وغيرها ممن يطلقون عليهم رواد التحديث وهم غير ذلك وظهر أدباء الأدب الرخيص وصحف الفضائح بدلا من اللواء و الاهرام والأخبار وتسلل الإنحدار الى أخلاق المصريين ايضاً فبعد الشهامة والجدعنه ظهر البلطجية حتى النصب على الناس كان فى الماضى يتم بصورة لاتؤذى المنصوب عليه بدنيا وشاهدنا افلام مثل العتبة الخضرا الذى تراه فيلما جيدا وظريفا ومحترما أما اليوم فلاتكاد يخلو فيلم سينمائى أو مسلسل تليفزيونى من الأباحة والشتائم والردح ورجال الأعمال اللصوص والقتل والتدليس ونساء عاهرات ان لم يكن فى التصرف ففى الملابس التى يرتدونها وتكاد ترى كل ماهو سلبى يطفح به سطح مصر لماذا لأعرف ؟

والسؤال الأخر هل هذا الإنحدار له علاقة بالحياة السياسية ؟ أو بمعنى أخر هل كانت السياسة عقب ثورة يوليو 1952 لها هذا التأثير الشامل والتغيير الراديكالى فى أخلاق الشعب المصرى ؟

والمتابع لهذا التطور سيجد أن التغيير قد بدأ بطيئا فى الخمسينات والستينيات من القرن العشرين ولكنه بدأ يسرع خطاه فى منتصف السبعينيات ووصل الى السرعة القصوى بداية من أوائل القرن الحادى والعشرين .

والإجابة على هذه التساؤلات تطرح منحاً أخر عند المقارنة بين التأثيرات السياسية على البعد الإجتماعى فى مصر من جهة وفى معظم دول العالم من جهة اخرى ، فعلى الرغم من سيادة الدكتاتورية الفاشية فى المجتمعات الغربية خلال النصف الأول من القرن العشرين ولاسيما عقب تولى هتلر مقاليد الامور فى ألمانيا وموسيلينى فى إيطاليا ومن بعدهم فيشى فى فرنسا وستالين فى روسيا اندلعت الحرب العالمية الثانية واشتد أوارها ومات عشرات الملايين إلا انه فى النهاية إنتصر من إنتصر وأنهزمت قوى الفاشية كان التصرف الإنسانى المحتمل والمتوقع هو ظهور الإنتقام كمبدأ عام فى الدول الغربية أى تقوم شعوب الدول المنتصرة بمحاولة إذلال شعوب الدول المنهزمة والإنتقام منها ، وفى هذا الإطار فقد شاهدت فيلماً تسجيليا عن الحرب العالمية الثانية ( بالطبع من بين مئات الأفلام التى تناولت الحرب) ووجدت إحتفال الشعب الفرنسى بدخول قوات الحلفاء الى باريس واصطف الشعب على الجانبين يهللون للجيش المنتصر ولكن بمجرد ان مرت القوات قام الشعب رجالا ونساء بكنس الشوارع وتنظيفها مكان عبور القوات.

ونجد أنه حدث إنحسار سريع ومتلاحق لمحاولة تدمير قوى الشر المتمثلة فى المانيا وايطاليا واليابان من شعوب الدول المنتصرة وبدأت الدول المهزومة من الصفر تقريبا وتطورت إقتصاديا وسياسيا عبر الزمن والأهم أنها تطورت أخلاقيا وأجتماعيا أيضا وصار الجد فى العمل والصدق فى المعاملة بل والرحمة سواء مع الإنسان او الحيوان تنضج وتذدهر ( أكرر هنا أنى مااتناوله هو سلوك الشعوب وليس الحكومات ) وهذه التصرفات تعكس صحة الفرضية الخاصة بان السلوك الإنسانى بصفة عامة يتطور إيجابيا عبر الزمن مهما كانت الظروف السياسية المحيطة بالبشر.

وأنا هنا قد أعرض تجربة شخصية للتأكيد على ماحدث فعندما كنت فى إنجلترا لمده عامين ونيف بسبب العمل كان الإنجليز شعبا ودودا جدا بداية من جيران مرورا بمعلمة إبنى فى المدرسة ونهاية بكل من تعاملت معهم من الإنجليز عكس ماقيل لى قبل السفر من انى لن اجد من يساعدنى أو ان العلاقات الإجتماعية تكاد تكون منعدمة وأذكر ان جارتنا الانجليزية استمرت فى ارسال كروت معايدة الى ابنتى عقب عودتنا الى مصر حتى سبع سنوات من عودتنا فى عيد ميلاد ابنتى دون كلل او حتى دون انتظار الرد من جانبنا .

أما فى مصر فأننا نجد أن الامر يختلف ورغم ان مصر فى العصر الحديث لم تمر بما مرت به أوروبا اللهم الا هزيمة يونيو عام 1967 ومع محدودية المعركة العسكرية وانحسارها فى منطقة سيناء نجد أن هذا الحدث قد أثر سلبا وبصورة كبيره على السلوك البشرى فى مصر بين موجات الإنحدار ولاسيما فى الفن وظهرت أفلام مثل مملكة الحب وعاشقة تحت العشرين و...... التى ملأت دور السينما فى هذا الوقت وموجات أخرى من الرقى ولاسيما عقب حرب أكتوبر 1973 مثل الرصاصة لاتزال فى جيبى والوفاء العظيم وإنتهاء بفيلم الطريق الى إيلات .

والأهم من ذلك انه عقب الإنفتاح الإقتصادى تقريبا سقطت المبادئ الإجتماعية والأخلاقية رويدا رويدا ليس فى الفن فقط ولكن ايضا فى السلوك والأخلاق كما سبق وان أشرنا آنفاً ورغم هامش الحرية السياسية التى أتاحها السادات ومن بعدة مبارك رغم انه هامش بسيط لم يحظ به مثقفوا الستينيات من القرن العشرين إلا أن ذلك لم يشفع للسلوك الإجتماعى أن يرتقى بل أنه عقب ثورة يناير 2011 والتى بدأت كثورة مثالية فى كل جوانبها سواء القائمين بها أو المؤيدين لها إلا انه سرعان ماتغلب السلوك السلبى على المصريين وباتت البلطجة والعشوائية تكاد تغرق الشعب والبلد فى آتون من الفوضى اللانهائية بل أيضا ظهرت قوى على الساحة لم تشارك فى الثورة ووثبت عليها وامتصت نجاحها لتحوله الى وصلات تليفزيونية من السباب والهجوم على كل من يخالف رأى المتحدث وإندثرت تماما مبادئ إحترام الكبير والحوار الراقى ونسى الناس قول الله تعالى " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" صدق الله العظيم

بل أن الفن ذاته لم يرتق بعد الثورة ووجدنا فى شهر رمضان الكريم عام 2011 وكأن شيئا لم يتغير فى مصر نفس الإسفاف الفنى سواء فى الشهر الكريم أو بعده وظهرت افلام شارع الهرم ( اكيد اسم على مسمى ) وانا بضيع ياوديع و........

وهذا مايعود بنا الى السؤال الأساسى هو لماذا يتطور السلوك الحضارى فى مصر عكس تطور الزمن كما يحدث فى العالم كلة الذى يتطور إيجابيا مع الزمن ؟؟؟؟؟

الأحد، 18 سبتمبر 2011

سوريا الثورة ومستقبل الدولة

كان عام 2011 عاما حاسما فى المنطقة العربية ولاشك فتاريخ 14 يناير 2011 تنحى الرئيس التونسى عن حكم البلاد نتيجة ثورة شعبية بدأت فى نهايات عام 2010 ثم تلتها بعد ذلك ثورة 25 يناير فى مصر والتى ادت هى الاخرى الى تنحى حسنى مبارك عن الحكم فى 11 فبراير 2011 وبعد ذلك بدأت الثورات تباعا فى البحرين ثم ليبيا ثم المغرب فسوريا واليمن وكأن الثورة مثل الفيروس الذى ينتشر فيصيب كل من يتنفسه ولكنه هذه المرة كان فيروسا للحرية والإنتقال من حالة الجمود والركود الى حالة الحراك نحو مستقبل جديد تنعم فيه الدول العربية بثرواتها الحقيقية وينتهى عهد مجتمع النصف بالمائة .

ولكن كان الفيصل الحاكم فى نجاح بعض هذه الثورات وتعثر الاخرى هى قوة الجيش فى كل دولة فنجد ان الجيش فى كل من تونس ومصر قد وقف بجانب الثورة فى البلدين ، وبغض النظر عن اسباب قيام الجيشان بهذا المنحى وانحيازهم لصالح الشعبين الا انه فى النهاية كان هو العامل الفيصل فى نجاح الثورتين .

فاذا نظرنا الى ليبيا وهى دولة ذات وضع مختلف فلم يكن هناك جيش بالمعنى المفهوم للقوات المسلحة فى الدول وانما كانت عبارة عن فصائل او كتائب شكلها القذافى معظمها من المرتزقة من الدول الإفريقية وامريكا اللاتينية تحارب من اجل المال وتحارب لصالح من يدفع اما جيش بالمفهوم التقليدى من ابناء البلد فلم يكن موجودا بهذا الشكل المنظم فى ليبيا وبالتالى فالجيش فى ليبيا لم يكن موجودا بالفعل او لم يكن له دورا حاسما فى ليبيا .

واذا اتجهنا بانظارنا جنوبا نحو اليمن أو شمالا نحو سوريا فنجد ان الجيشان قد اخذا منحى مغايرا لما حدث فى تونس ومصر واتخذوا موقفا مدافعا عن شرعية الرئيس وليس شرعية الدولة والشعب ولهذا نجد أن الثورة فى هاتين الدولتين مازلت تتعثر بل وذهب فيها ضحايا كثر جراء قيام الجيش فى كل منهما بالحرب ضد الشعب مستخدما اسلحته التى يجب ان توجه الى الأعداء فوجهها الى صدور الشعوب وهو بالطبع مااخر النتيجة الحتمية للثورتين .

المشكلة هنا ليست فقط فيما يحدث الأن فى كل من سوريا واليمن ولكن تكمن المشكلة فيما سيحدث عقب انتصار الثوره فيهما والمشكلة الأكثر حدة فى سوريا بالطبع .

فمهما شئنا أم أبينا فالقوات المسلحة فى دول العالم النامى انما هى تشكل حجر الزاوية فى وجود الدولة ذاتها بل يمكن القول انها المؤسسة الوحيدة فى هذه الدول ذات الهيكل التنظيمى الواضح والسلطات والمسئوليات المحددة والكيان شبه المستقل عن باقى اجهزة الدولة بل انه فى تونس ومصر عندما انهار النظام تماما سواء مؤسسات تشريعية او تنفيذية بقى الجيش فقط هو المؤسسة التى يمكن ان تركن اليها باقى الدولة فى تسيير الامور وبالتالى فحتى لو لم تقم القوات المسلحة بالدور الذى يطلبه الثوار بعد انتصار الثورة او تباطؤ تنفيذ المطالب كما يحدث فى مصر الا ان الامر يجب ان لايتعدى تنظيم مظاهرات او مليونيات للضغط لتنفيذ المطالب اما اكثر من ذلك وماقد يؤدى الى انهيار المؤسسة العسكرية فهو يعنى انهيار الدولة ذاتها وتحولها الى حطام وتصبح صومالا جديدا فى المنطقة .

وبمعنى اخر فلو انتصر الثوار فى سوريا وازعم انه سيحدث ان شاء الله فماذا سيكون موقف القوات المسلحة من النظام الجديد ففى مصر مثلا مثلت بعض قوات الشرطة مايمكن ان نسميه بالثورة المضادة ولكن الأمر هنا يمكن القول انه تحت السيطرة نظرا لضعف ومحدودية اعداد هؤلاء وكذلك تسليحهم وكل مافى الامر مجموعه حوادث متفرقة هنا وهناك والامر ينحصر فى بلطجية سيأتى يوما قريبا وتعود الأمور الى نصابها من جديد ومن السهل اعادة تشكيل جهاز الشرطة ولكن من الصعب ان يتم تشكيل قوات مسلحة .

اما الموقف فى سوريا فهو جد شائك ومستقبل مظلم غير معلوم فالقوات المسلحة السورية المفترض انها تمثل تهديدا ولو شكليا ضد اسرائيل نظرا للعوامل الجغرافية وقرب كل من دمشق وتل ابيب يجعل دائما اسرائيل تنظر الى سوريا بارتياب وبالتالى فالجبهه الاولى هنا بالنسبة لاسرائيل هى سوريا نظرا للتقارب الجغرافى ودعم سوريا لحزب الله فى لبنان وتاتى الجبهة المصرية فى المرتبة الثانية بالنسبة لاسرائيل (هذا ايضا ماوضح جليا فى حرب اكتوبر عام 1973 فعقب بداية الحرب كانت الجبهتان المصرية والسورية تحاربان معا ولكن اسرائيل وجهت كل قوتها الى الجبة السورية فى بداية الحرب لايقاف تقدمها حيث ان هضبة الجولان تطل مباشرة على اسرائيل اما عمق سيناء فمثل لاسرائيل أولوية ثانية مما دفع الرئيس السادات ان يعمل على تطوير الهجوم المصرى لتخفيف الضغط على سوريا )

اما والموقف الحالى هكذا فان انتصار الثورة فى سوريا سيؤدى الى احد الإحتمالين أما انهيار القوات المسلحة لسوريا وبالتالى تصبح دولة بلامؤسسات فمجلس الشعب هناك هو مجلس بلا سلطات والأجهزة التنفيذية كلها تتبع حزب البعث السورى وبالتالى ستأخذ الأوضاع ذات الشكل الذى كانت ومازالت عليه العراق ولاسيما وان التركيب السكانى فى سوريا يشبه العراق من اختلاف الأجناس والأعراق والمذاهب الدينية ومن ثم فعدم وجود قوة مسلحة مسيطرة على الوضع سيؤدى الى لبننه أو صوملة سوريا ومن الممكن ان تدخل فى أتون حرب اهليه طويلة المدى مما سيؤدى الى قيام اسرائيل بالطبع باعادة ترتيب اولوياتها العسكرية على الحدود بالنسبة لجبهاتها وستصبح الحدود المصرية بالطبع هى الاولى بالنظر .

اما عدم إنهيار القوات المسلحة فى سوريا وقد ينهار النظام السياسى ويهرب الأسد ويبقى الجيش وبالطبع ستقع مواجهات مباشرة بين قوات مسلحة ينظر الشعب لها نظرة الأعداء وبين شعب سيتم تسليحه وهنا ستكون الحرب الأهلية بين جيش يدافع افراده عن حياتهم وشعب يريد الإنتقام بل قد يصل الامر بعد هروب الأسد الى سلسلة من الإنقلابات العسكرية فى سوريا وتخضع مرة اخرى الى حكم عسكرى قاس كما حدث فى الستينيات من القرن الماضى والتى بدأت بالانقلاب الأول لعبد الكريم النحلاوي في 28 سبتمبر 1961 ثم الانقلاب الثاني لعبد الكريم النحلاوي في 28 مارس 1962 ، انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963،انقلاب أمين الحافظ في 27 يونيو 1963، انقلاب صلاح جديد في 23 فبراير 1966 ، وأخيرا الحركة التصحيحية في 16 نوفمبر 1970 بقيادة حافظ الأسد .

والأن وبعد هذا السيناريو المتوقع ماهو الحل كي يمكن ان نتلافى هذه التداعيات ؟

انا ارى ان الأمر يستدعى بالفعل تدخل خارجى سواء سياسى او عسكرى لاجبار الأسد على الرحيل مع تولى أحد قيادات الجيش المنشقة على الأسد مقاليد الأمور مؤقتا للحفاظ على هيكل القوات المسلحة لحين اجراء اصلاحات سياسية ودستورية تحقق مطالب الثوار وتبقى على الهيكل الأساسى للقوات المسلحة السورية على الأقل قائما وان يتم تغيير قادة الجيش بصورة تدريجية وبما يحقق هدف الإستقرار .

انا ارى انه حل مناسب وان كنت ارى ان احتمالات هذا السيناريو طبقا للتاريخ السورى من الصعب تحقيقة ولكنه مجرد امنية ان تتحقق فالحرب الأهلية فى نظرى قادمة لامحالة الا ان يريد الله امرا اخر وهذا ماندعو الله ان يحققه

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

مصر من تالت- جنود مصر

فى البداية هناك حديث عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم قال فيه " إذا فتح الله عليكم مصر
فاتخذوا فيها جندا كثيرا ، فذلك الجند خير أجناد الأرض" ،بالطبع انا هنا لن أتناول مايتناوله الفقهاء من صحة أو عدم صحة الحديث فهذا المجال له علماء الأزهر اما ماسأتناوله حقاً أنه وان كان الحديث صحيحاً فان أحداً منذ أيام عمرو بن العاص عندما فتح مصر وحتى تولى محمد على باشا حكم مصر لم يقم بتنفيذ وصية الرسول الكريم فلم يتخذ أحدا جنداُ من مصر بداية من عمرو بن العاص ذاته الذى اسلم على يد النبى صلى الله عليه وسلم مروراً بالدولة الأموية والعباسية والأيوبية والمماليك ,....... لم يقم فى مصر جيش وجندا منظما بل حتى المعارك المجيدة التى تنسب لنا فى النصر مثل عين جالوت وحطين لم يخضها جيش من المصريين فهم إما من الشام فى حطين أو من المماليك فى عين جالوت وأكتفى كل هؤلاء بالمصريين فى مؤخرة الجيش يتولون المهام الإدارية دون القتالية .

أن أول من إتخذ من مصر جنداً كثيفاً كان محمد على باشا عقب خروج الحملة الفرنسية من مصر وقد بنى محمد على جيشا مصريا خالصا عبر به حدود مصر الى اسيا واوربا وافريقيا وأثبت الجنود المصريون وقتئذ أنهم بالفعل من خير أجناد الأرض.

والسؤال الذى يطرح نفسه هو بالفعل لماذا لم يقم خلفاء الدول الإسلامية على امتداد عصورهم بالاعتماد على جيش من مصر حتى موسى بن النصير فاتح شمال افريقيا ومعه طارق بن زياد فاتح الأندلس لم نسمع انهم استعانوا بجنود من مصر اثناء هذا الفتح الكبير ؟

وعلى صعيد أخر وبالعودة للتاريخ الفرعونى نجد أن فتوحات مصر الفرعونية اعتمدت على أبناء جيش الفراعنه عاشوا على أرض مصر وبنوا وأسسوا حضارات يتحاكى عنها العالم حتى اليوم بل وحتى نهاية العالم سيظل الناس فى مشارق الأرض ومغاربها يتحدثون عن الفراعنه الذين عاشوا على أرض مصر .

بعض التحليلات تقول نعم أن جنود مصر من خير اجناد الأرض ولهذا حرص جميع خلفاء الدول الإسلامية على تجنب اعداد جيشا مصريا خشية من إنقلاب هذا الجيش عن الدولة الأم سواء فى بغداد أو دمشق حتى حينما أتى عمر بن عبد العزيز ثامن الخلفاء الأمويين وخامس الخلفاء الراشدين أميراً للمؤمنين لم يقم بتكوين جيش مصرى وبالتالى فمن وجهة نظر هؤلاء الخلفاء جميعا أن أمن وأستتاب الامور فى مصر يحتم ان لايصبح منها جنود حتى لاينقلبوا على الدولة ذاتها .

والشئ بالشئ يذكر فانه حينما سمح الخليفة العثمانى بتكوين جيشا من المصريين على يد الوالى محمد على باشا إنقلب بالفعل الوالى على الخليفة وخاض محمد علي في بداية فترة حكمه حربًا داخلية ضد المماليك والإنجليز إلى أن خضعت له مصر بالكليّة، ثم خاض حروبًا بالوكالة عن الدولة العلية في جزيرة العرب ضد الوهابيين وضد الثوار اليونانيين الثائرين على الحكم العثماني في المورة، كما وسع دولته جنوبًا بضمه للسودان. وبعد ذلك تحول لمهاجمة الدولة العثمانية حيث حارب جيوشها في الشام والأناضول، وكاد يسقط الدولة العثمانية، لولا تعارض ذلك مع مصالح الدول الغربية التي أوقفت محمد علي وأرغمته على التنازل عن معظم الأراضي التي ضمها.

إذا هل بالفعل ماحدث من محمد على يثبت صحة وبعد نظر الخلفاء فى الدول الإسلامية بداية من الأموية والعباسية وماتلاهم ؟ وإذا كان والأمر كذلك فهل بالفعل هذا الرأى تبنته الدول الغربية عقب شرود محمد على فى طموحاته وبات من أهداف القوى الغربية دائما هو تحطيم الجيش المصرى أو على الأقل الحد من قوته ؟

فاذا وقفنا عند حقبة محمد على كنقطة إنطلاق ورائها التاريخ وأمامها المستقبل سنجد أن هذا الرأى قد اصبح استراتيجية واضحة للغرب فبعد وفاة محمد على باشا وقفت طموحات الجيش وكانت أقصى مايفعله هو الفتوحات فى اعالى النيل لاستكشاف منابع النيل ثم تحول بعد هزيمة عرابى الى جيش المحمل وظل هكذا جيشا للتشريفات حتى ثورة يوليو 1952 .

ولأن الجيش هو من قام بالثورة فقد دأبت الدول الغربية على التضييق عليه تارة بعدم تسليحه وتارة بمهاجمته فى 1956 وتارة أخرى بالتلويح له بدخول معارك وحروب لاجدوى منها مثل حرب اليمن ونهاية بتدميرة فى حرب 1967 .

ومع ذلك ومع الهزيمة النكراء فى 1967 ورغم الصراع الدولى على الهيمنة فى منطقة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتى ان ذاك ورغم الإتفاق على حالة الاسترخاء العسكرى ورغم تسليح اسرائيل المستمر باحدث الاسلحة ورغم الساتر الترابى وخط بارليف ورغم العديد والعديد من المعوقات إنتفض هذا الجيش مرة اخرى وحارب وانتصر وعبر المستحيل فى أكتوبر 1973 وهو الامر الذى اذهل العالم اجمع واربك القوى الغربية والتى عادت مرة اخرى لسياسة الحيطة والحذر امام هذا الجيش والذى اربك العالم بموقفة من ثورة يناير 2011 والمربك اصلا أنه رغم وقوف الجيش وقادته فى صف الثوار الا انه ايضا خطواته لم تلب طموحهم نحو التغيير الشامل الناجز السريع والحاسم وبات موقفه محيرا داخليا وخارجيا ولكن بصفة عامة أنا أرى وهذه رؤيتى الشخصية أن التغيير قادم قادم لامحالة لعدد من العوامل أهمها فى رأىى انه لو لم يكن فى النية ان بكون هناك تغيير لكان الموقف مختلفا هذا بالاضافة الى عوامل الإجماع الشعبى على التغيير وايضا عامل السن لقادة الجيش ورغبة الجيش فى التفرغ لمهمته فى الدفاع عن الحدود ولاسيما عقب الأحداث الأخيرة فى سيناء صحيح أن التغيير بطئ نوعا ما ولكنه قادم .

ولكن يظل فى النهاية الحكم على الأحداث التى مر بها الجيش المصرى والذى ساهم فى صنعها محليا واقليميا ودوليا يؤكد حديث النبى محمد صلى الله عليه وسلم ان جنودمصر من خير اجناد الارض دون اللجوء الى الكتب الفقهية وإنما بتحليل مواقف هذا الجيش نجد انه اذا قام الجيش المصرى بالاستعداد الجيد والظروف المؤهلة له نفسيا وبدنيا وتسليحا وتدريبا فلن يقف أمام هذا الجيش جيش .

الأحد، 28 أغسطس 2011

مصر من تالت

مش عارف ابتدى منين وبرضه مش عارف العنوان اللى اخترته مناسب ولا لأ ولكن كل اللى انا عارفه انى عايز اكتب كل اللى جوايه وزى مابيقولوا رزقى على الله .

حينما كتب استاذنا الصحفى الكبير المرحوم محمود السعدنى كتابه "مصر من تانى" وجدت انه يتناول تاريخ مصر من منظور مختلف وهو منظور الشعب مع القاده وليس من منظور القادة فقط كما تعودنا فى كتب التاريخ التى تقول ان رمسيس الثانى فعل كذا وكذا ولكن ابدا لم تأت بسيرة الشعب ايام رمسيس الثانى وهذا مافعله عمنا محمود السعدنى .

اما مااريد ان افعله انا هو ليس رصدا تاريخيا ولكنه فى الاساس تحليل لتاريخ مصر من وجهة نظرى انا بعد قراءات كثيرة ومناقشات كثيرة ايضا وامتداد لثلاث فترات زمنية احدهما فى الستينات من القرن المضى لم اكن اعى فيها شيئا والثانية ايضا لم أع شيئا فيها الا يوم اغتيال السادات والثالثة عشت فيها شبابى وكهولتى وكونت رأياًفى التاريخ .

وبالطبع لن استطيع أن ارصد تاريخ مصر بالكامل تاريخ الأرض التى أمتدت فيها الحضارة لمدة تزيد عن السبعة ألالاف عام وانا هنا متعمد أن أقول الأرض وليس الشعب لأن مصر لم يكن بها شعب واحد بل شعوب وأكاد أجزم ان كل شعوب العالم قد اختلطت لتخرج لنا عصير الشعوب وهو الشعب المصرى بما فيه من حسنات وسيئات .

اصدقائى الاعزاء

شكرا لزيارتكم لمدونتى تمنياتى ان تحوز إعجابكم دائما واتمنى المزيد من تعليقاتكم سواء من يتفق معى فى الرأى أو يختلف وطبقا للمقولة المشهورة شكرا لمن قال نعم وشكرررررررا لمن قال لا ( والحدق يفهم )